في كنعوص، السيجارة الواحدة تكلفك ٢٥٠٠ دينارا

0

عندما تنظر إلى صور العراقيين وهم يحتفلون بتحرير مناطقهم من داعش سوف تلاحظ أن الكثير منهم يدخنون السجائر. لماذا؟ ببساطة لأن داعش منع عليهم التدخين، فأصبحت السجائر رمزاً للحرية للكثير منهم سواء كانوا شبابا يدخنون على ضفة نهر دجلة في القيارة أو المرأة المسنة التي تدخن في ركن مظلل من مخيم ديبكة.
عندما شارك زملائنا في يللا فرحة العيد مع سكان (حاج علي) و النازحين الذين وصلوا حديثا من قرية (كنعوص) القريبة، وجدوا أن تقديم السجائر أصبح جزءا مهما من التحية أو التعارف، تماما مثل عبارة “السلام عليكم” .
على منضدة  وفي فناء مدرسة، تم توظيفها كمأوى للنازحين، كان يجلس “عبود” وهو منهمك في تدخين سيجارته الرفيعة، فقررت يلا الإنضمام إليه. سرعان ما تجمع الشباب والرجال حولنا متلهفين للتحدث عن حياتهم في كنعوص.
يقول عبود وفي يده علبة السجائر: “عانينا من أيام صعبة، و كانت حياتنا تزداد صعوبة يوما بعد الأخر فأصبح ثمن الكيلو الواحد من السكر يبلغ ٢٥ الف دينارا وباتت علبة الأختمار (سجائر أرمينية رخيصة)  تكلف ٥٠ الف دينارا. لم أقدر على شراء أكثر من سيجارة واحدة  كل إسبوع إلى عشرة أيام.”
أصبح التدخين في المناطق التي يسيطر عليها داعش مجازفة ووسيلة للتمرد على التنظيم المتطرف الذي منع التدخين بحجة أنهُ من المحرمات في الدين. يقول عبود أن مصير من يتم القبض عليه بسبب التدخين هو الجلد، أما عدد الجلدات فيعتمد على مزاج المنفذ للعقوبة من عناصر داعش.
بينما تمكن عبود من التدخين دون أن يتم الإمساك بهِ. لم يكن الحظ حليف بعضا من أبنائه الذين ذاقوا قسوة التنظيم تجاه المدخنين، فأسرع في تهريب أحد أبنائه إلى حاج علي قبله بعشرة أيام و هم الأن فرحين بجمع شملهم مرة أخرى، و بعيدا عن داعش.
أما صلاح، وهو الإبن الكبر من عبود، فقد تم إعتقاله من قبل التنظيم في يوم عرفة من عام ٢٠١٤. لا يسع لعبود سواء الأمل في عودة إبنه، رغم أن مسلحون من داعش أخبروه أن صلاحا قد مات.
إنضم إلينا رباح وهو الإبن الثاني لعبود. يذكر أن رباح كان قد هرب من كنعوص قبل ثمان أشهر وهو الأن في صفوف الحشد الوطني. يقول رباح، الذي يبدو أصغر من عمره البالغ ٢٢ عاما، أن عناصر داعش قاموا أكثر من مرة بنفيه و إرغامه على العيش خارج القرية دون أكل أو شرب لعدة أيام في بعض المرات.
على كل من يقرر الهرب من قبضة داعش أن يكون مستعدا لمواجهة العواقب في حال تم القبض عليه. تترواح عقوبة محاولة الفرار للمواطنين العاديين ما بين غرامة مالية تبلغ ٥٠٠ دولار إلى عقوبة الإعدام. أما بالنسبة لمن ينتمون إلى القوات الأمنية العراقية، فإن عقوبة من يحاول الهرب قد تتوقف عند غرامة مالية مضاعفة لمن يمتلكون “واسطة”. أما الذين لا يمتلكون “الواسطة” فإن مصيرهم هو الإعدام بقطع رؤوسهم.
كلمة “قاسية” قد لا تكفي لوصف حياة المواطنين في كنعوص تحت سيطرة  أحد قادة داعش، الذي ينادونه بإسمه الحركي أبو مسلم، وقائد مخابراته أبو أنس الذان يشرفان على ٢٠٠ مسلح تقريبا. ويقول باسم، أحد الذين تمكنوا من الهرب، “القادة كانوا عراقيين الأصل، لكن البقية أتوا من الصين وروسيا البيضاء…..” وهو ما وافق عليه البقية ممن معهُ حيث ذكروا أن المتطرفين قد جائوا من خارج العراق، من مصر وسوريا ومن أماكن أبعد مثل طاجكستان و الشيشان.
هذا ولجأ عناصر التنظيم إلى تحويل مقاهي القرية إلى “مراكز إعلامية” تقوم بعرض مقاطع فيديو تظهر فيها معاركهم وعمليات الإعدام التي ينفذونها بهدف زرع الرعب في قلوب أهالي القرية. يقول عبود أنه كان يقضي معظم أيامه داخل المنزل ولم يملك أي مال، كما كان حال البقية من سكان كنعوص.
“إخراج داعش من القرية والعيش بسلام  وأمان هو الأمر الوحيد الذي يشغل تفكيرنا. قضيت عامين من حياتي دون أي دخل مالي وإضطررت إلى بيع كل ما أملك – بما في ذالك الثلاجة والمبردة – فلن تجد في منزلي سوى الجدران، كما هو حال البقية من الناس (من لا يتبعون داعش).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!