قناصان يقضيان على أسطورة داعش

0

أربيل – داود العلي

سجاد الصقر وعلي رش، قناصان من الجيش العراقي وقوات البيشمركة، كلاهما انتظر أكثر من عشرة أيام كي يقتلا قناصين من تنظيم داعش في منطقتي بعشيقة (شمالي الموصل) وحي القادسية (شرقي الموصل). أسبوعان من الصبر والخوف.. والسخرية في بعض الأحيان.

الصقر ورش، قصة من قلب معركة الموصل تحكي جانباً من كفاح العراقيين للتخلص من المسلحين المتطرفين، كما أنها تزيح اللثام عن أسرار تنظيم داعش وكيف يمكن لمسلحيه البقاء في غرفة آو صندوق من الحديد، من دون حراك.

أسطورة قناصة داعش

قبل نحو عام ونصف العام، كان العراقيون يتداولون قصصاً عن قدرات قناصي داعش، وكيف يمكنهم السيطرة على مربع سكني من دون الحاجة إلى عدد كبير من مسلحي داعش لمنع تقدم الجيش.

وأظهرت عدة مقاطع فيديو مواجهة جنود عراقيين لقناصي التنظيم، الذين يبدون وكأنهم يستعملون الاستراتيجية ذاتها، وتبدأ بضرب إطارات عجلات الهمفي وقنص الجنود.

كما تداولت قنوات في “يوتيوب” مقاطع مختلفة عن الطريقة التي يواجه فيها جنود الجيش العراقي رصاص قناصة التنظيم، فيما نجح البعض في خداعهم والإفلات منهم.

في محافظة الأنبار عام ٢٠١٥، حين كان الجيش العراقي يحاول اقتحام منطقة الملعب (جنوب شرق الرمادي)، ولم يكن يواجه عدداً كبيرا من المسلحين، بل كانت المنافذ ملغمة، وثمة ٤ قناصين يسيطرون على البلدة، الممتدة على نحو ٢٠٠٠ متر مربع، من أركانها الأربعة.

لقد خسر الجيش العديد من الجنود لأنهم لا يعرفون مواقع القناصة، واستمر حصار المنطقة أكثر من ٢٠ يوماً. وحين قُتل قناصان وهرب البقية تمكن الجيش من دخول البلدة وإكمال تحرير مدينة الرمادي بالكامل.

روى بعض الجنود قصصاً مختلفة عن استعمال قناصي داعش حبوب الفيتامينات وعبوات للعصير والمياه، آخرون تحدثوا عن تعاطيهم نوعاً من المخدرات.

يقول ضابط برتبة ملازم كان يعمل في الرمادي وشارك في اقتحام حي الملعب “ألقينا القبض على أحدهم. كان مخدراً بالفعل”.

معركة الموصل، التي بدأت قبل نحو ست أسابيع، لم تجعل قصص قناصي داعش أكثر وضوحاً وحسب، بل أنها كشفت عن أشخاص عراقيين يمكنهم أن يكونوا نجوم المعركة بلا منازع. هؤلاء هم قناصو الجيش العراقي، وسجاد الصقر وعلي رش من بين هؤلاء.

في استراحته بمنطقة جنوب أربيل، كان علي رش (٣٤ عاماً)، وهذا لقبه ويعني بالعربية علي الأسمر، يتناول وجبته المفضلة، السمك. إنه قوي البنية طويل القامة.

علي لديه وجه بشوش وكثير المزاح مع أصدقائه، حتى حين يسرد لهم قصص القتال مع المعركة. يقول “لا تضحكوا يا رفاق.. نعم شعرت أنني والقناص الداعشي نفعل الأشياء ذاتها (…) نأكل وننام في الأوقات نفسها قبل أن نعود لمراقبة بعضنا البعض.. أنا أعرف ذلك من خلال توقيتات القنص في ما بيننا”.

القناص علي رش خلال استراحته- عدسة: مراسل يلا
  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest
القناص علي رش خلال استراحته- عدسة: مراسل يلا

في كتف علي الأيسر، كان هناك أثر لإصابة بليغة. يقول عنها “أنه اليوم العاشر من معركة الموصل. كنت أحاول أن أفتش عن موقع قناص داعش. جعلته يرى جزءاً من جسدي كي أكتشف من أين تخرج الرصاصة. ضربني ولمحت مصدر النار”.

وبحسب رش، فإن تكتيك قناصة داعش في المجمل تعتمد على الاختباء في غرف على أسطح المنازل أو البيوت، يقومون بعمل فتحات في جدرانها لتسهل حركتهم ويصعب اكتشافهم. يقول علي “في الحقيقة هي الاستراتيجية ذاتها التي نعتمدها”.

ومنذ الأسبوع الأول لمعركة الموصل، بدا واضحاً أن المسلحين يعتمدون على شبكة الأنفاق المعقدة والطويلة بين البلدات والتي تسهل تنقل القناصة بين البنايات لتغيير مواقعهم.

ويعتقد أحد ضباط جهاز مكافحة الإرهاب، لـ يلا إن “القناصة كانوا أكثر الصعوبات تعقيداً التي تواجه قواتنا”.

زوجة “رش” تتصل!

“أنا أحب زوجتي لكنها جعلتني أخسر موقع القناص”. يقول علي عن ذلك النهار الذي كان لا يفصله عن قتل قناص داعش سوى بضعة ثواني. يقول “لقد لمحته على بعد ٨٠٠ ياردة، يخرج من البناية ويحمل دلو مياه. كنت متأكداً إنه هو القناص. جهزت طلقة واحدة وصرت مستعداً لوضعه في مرمى النيران، لكن جهاز الهاتف رن، وبدأت أفقد تركيزي لأنها زوجتي”.

يواصل علي حديثه “فتحت الخط وقالت لي: اشتقت لك (…) لن أخبركم لقد نسيت تماماً أنني في المعركة”. يضرب علي طاولة الطعام ويضحك كثيراً على تلك اللحظة.

بعد أيام تمكن علي من قتل قناص داعش. يقول، “لقد شعرت بأنه متعب، لا أعرف لماذا، لذلك منحت له طعماً إذ ظهرت من أعلى الجدار ثلاث مرات بشكل خاطف ليرتكب هو الخطأ الفادح لقد ظل يرمي بشكل متتالي صوب موقعي”.

ويتابع، “صار صيداً سهلاً، فقتلته، وركضت نحو الجنود أصرخ فرحاً: من کوشتم”، وتعني بالعربية لقد قتلته.

مع مرور أيام معركة الموصل، بدأت وسائل الإعلام تتداول أخباراً عن قتل المزيد من قناصي تنظيم داعش، وعلى ما يبدو فإن عمليات القضاء عليهم ساعدت على ترجيح كفة القوات العراقية المشتركة.

الصقر يكتشف الحفاظة

في حي القادسية، القريب من مركز الموصل وصل جهاز مكافحة الإرهاب في الأسبوع الرابع من المعركة من أجل تحريره من تنظيم داعش. واكتشف الضباط أن مسلحي داعش ينصبون الفخ لهم من خلال ألغام في الطرق وقناصة على أسطح البنايات.

قناص يتجول في أحد أحياء الموصل الشرقية. تصوير: Odd ANDERSEN
  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest
قناص يتجول في أحد أحياء الموصل الشرقية. تصوير: Odd ANDERSEN

كان من بين الجنود سرية قناصين، أحدهم يدعى سجاد الصقر، (٢٦ عاماً)، هذا لقبه بين الجنود. وفي مدينة أربيل اصطحبنا شقيقه للقاء به في إحدى المقاهي حيث وصل إلى هناك لقضاء وقت الإجازة الذي لم يتجاوز الـ ٤٨ ساعة.

بدا على سجاد التعب والإرهاق. كان يتحدث كثيراً عن عائلته ويسأل شقيقه عن أطفاله محمد ومصطفى، أحدهما بلغ الصف الثالث الابتدائي.

حين سألته عن المعركة، وهل بالفعل أن القناصة في مكافحة الإرهاب يمثلون المفتاح السري للفوز على تنظيم داعش. يقول “حين يقتل قناص من داعش يمكن للضباط إخبار الصحافيين أن البلدة تحررت. الجنود يسيطرون على أي منطقة بعد أن نتمكن نحن القناصة من القضاء على نظرائنا في داعش”.

ويزيد بالقول “كنت واحداً من أربعة قناصة عراقيين وصلنا حي القادسية. لا أعلم ماذا حل برفاقي حتى الساعة، لكنني استغرقت تسعة أيام كي أقتل القناص من داعش”.

قبل ذلك، كان سجاد شاهداً على مقتل سبعة جنود من الجيش العراقي برصاص القناص، حتى تمكن من قنصه وقتله على الفور. يقول، “لقد ذهبنا إلى موقع القناص وجدناه في صندوق من الحديد في أعلى محل لتصليح السيارات ومعه بعض الأدوية وقطع من الرغيف.. وكان يرتدي حفاظة”.

منذ تلك اللحظة، كما يقول الصقر، تحول ميزان القوى وصارت البلدة تحت سيطرة القوات العراقية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!