بات الجميع متفقون في الوقت الراهن على أن التحرك النهائي تجاه الموصل سيكون أمرا واقعا خلال شهر تشرين الاول القادم، لكن قادة العراق مستمرون في تجنب التصريح بصورة محددة عن تاريخ شن الهجوم ولا يمكن الجزم فيما إذا كان هذا الشيء صائبا من الناحية السياسية أم لا.
جاء  الهجوم الأول الذي أسفر عن تحرير القرى الواقعة في شرق مخمور في نهاية شهر مارس الماضي بمثابة المفاجئة للجميع، بما فيهم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. نستنتج من ذلك أن القيادات العراقية تحاول الإستمرار على نفس النهج والحفاظ على عامل المفاجئة حتى لحظة إطلاق النار الاولى. وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي نتج عن تلك الإستراتيجية خلال الحملة الاولى، فإن أفضل الخطط تبقى عرضةً للتقلبات والإنعطافات المفاجئة أثناء الحرب.
فيبدو أن ذلك هو تماما ما حصل، حيث وصلت أنباء تقول بأن الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان) قد كشف في إجتماعه مع رؤساء الجاليات التركية في الولايات المتحدة عن تاريخ الهجوم على الموصل حيث قال: “يقال أن معركة الموصل ستبدأ في التاسع عشر من شهر تشرين الأول، لذا فعليناء التهيئ لهذا الشيء”.
هذا واشاد الرئيس التركي بالإتفاقية التي أقامتها حكومته مع كل من اربيل وبغداد بهدف التعاون على تحرير الموصل، لكن لا يمكن أن ننسى حقيقة أن تركيا باتت تمتلك مصالح في شمال العراق. هذا وقد أقدم قادة تركيا في أكثر من مرة على التعبير عن رغبتهم في الحصول على الموصل إستنادا إلى وقائع تاريخية للمحافظة، وفي عام ٢٠٠٣ قام منافس اردوغان ورئيس تركيا سابقا (عبد الله جول) بإقتراح فكرة أن تركيا هي الأحق بنفط الموصل.
وفي تصريح ادلاه في الثالث عشر من الشهر الحالي، أشار اردوغان على وجوب أخذ تركيا بعين الإعتبار عند وقوع أي حوار بخصوص وضع الموصل بعد تحريرها من داعش. كما أشار معهد الشرق الأوسط للأبحاث والمتمركز في اربيل إلى أهمية إجراء جميع المداولات السياسية بخصوص الموصل قبل تحريرها، و هو أمر شبه مستحيل في ظل المجريات الحالية.
هذا وشكى محافظ الموصل الحالي “نوفل سلطان” من وجود حرب إعلامية موجهة ضده تمنعه من إيصال رسالته إلى الناس في حين لجأ المحافظ السابق للموصل و قائد قوات الحشد الوطني المدعومة من تركيا إلى وكالة الأناضول التابعة للحكومة التركية للترويج عن خططه بخصوص المحافظة في مرحلة ما بعد داعش. وتتضمن خطط النجيفي تقسيم نينوى إلى ٨ محافظات صغرى. وفي نفس السياق، قام البرلمان العراقي يوم الإثنين بدراسة إقتراح مقدم من قبل النواب عن الكتلة المسيحية في سهل نينوى  بخصوص تأسيس حكم ذاتي في الموصل.
ويبقى السؤال الأن: ما هو مدى النفوذ الذي تطمح أنقرة بتحقيقه في الموصل بعد تحريرها خصوصا مع الوجود القوي للحشد الوطني المدعوم بشكل كبير من قبل حكومة أردوغان و في ظل الرغبة الواضحة من قبل المليشيات السنية في الحصول على الموصل ففي تصريح أدلاه لموقع المونيتور، قال اللواء محمد طالب: “الموصل هي لنا. إن تمكنا من الدخول إليها ستكون الموصل بأكملها من نصيبنا”.
من جهتها، فإن هذه التطورات قد سببت إزعاجا كبيرا لبغداد التي تدعو بشدة إلى وضع حد للتواجد التركي في شمال شرق المحافظة، حيث قامت حكومة أنقرة ببناء قاعدة عسكرية في بعشيقة لغرض تدريب كل من قوات البيشمركة والقوات السنية معا إستعدادا لتشكيل تحالف قوي بينهما قبيل معركة الموصل.
وفي تصريح أدلاه في إجتماع الأمم المتحدة  شدد رئيس وزراء العراق حيدر العبادي على موقف بلاده تجاه التدخل التركي وقال: ” أنا أطالب المجتمع الدولي بإحترام سيادة العراق ومطالبة تركيا بسحب قواتها من أرض العراق حيث أن وجودها مرفوض من قبل الشعب العراقي ومن شأنه أن يعرقل جهودنا التي نبذلها في سبيل تحرير محافظة نينوى”.
ومن جهة أخرى فإن موقف بغداد من أثيل النجيفي لا يختلف عن موقفها من تركيا. يذكر أن النجيفي قد أقيل ن منصبه كمحافظ لنينوى بعد ظهور إدعائات إتهمته بالفساد والتعاون مع داعش بعد تمكن التنظيم من السيطرة على الموصل. بالإضافة إلى ذلك، فإن إقتراحه لفكرة حصول نينوى على حكم ذاتي مشابه لأقليم كردستان لن يساعده على جمع الأصوات لصالحه خارج نطاق الموصل. يذكر أن النجيفي لم يكن حليفا لكردستان سابقا لكنه الآن يطمح إلى تشكيل مثلث مع تركيا والأقليم حيث يعول على البيشمركة لقيادة العمليات من الشمال الشرقي مع إستعداد الحشد الوطني للحاق من الخلف للتطهير المناطق وإحتلال المدينة في نهاية المطاف.
كما تتزامن علامات الإستفهام المطروحة حول النجيفي مع حادثة الاسرى الأتراك عندما تمكنت أنقرة من تأمين إطلاق سراح ٤٦ من موظفي القنصلية التركية من قبل داعش بسهولة كبيرة بعد أن وقعوا أسرى بيد التنظيم إثر سقوط المدينة في عام ٢٠١٤.  لم يتوقف الأمر عند ذلك، فبعد إطلاق سراح موظفي القنصلية، قام تنظيم داعش في نفس العام بإطلاق سراح ٣٢ سائقي شاحنات يحملون الجنسية التركية دون أن يلحق بهم أي أذى.
تعتبر قواعد تركيا المتواجدة في كردستان العراق منذ عقدين ثمرة الغزوات التي قامت بها أنقرة على مواقع حزب العمال الكوردستاني، بالإضافة إلى تلك التي نفذتها بعد عام ١٩٩٤ لمساندة الحزب الديمقراطي في الحرب الأهلية التي خاضها الأخير ضد حزب الإتحاد الوطني الكوردستاني، الحليف لحزب العمال والمدعوم من قبل إيران.
هذا وتقدر القوات التركية في بعشيقة بـ ٢٥ دبابة و ٦٠٠ جندي هدفهم تدريب قوات البيشمركة التابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني بالإضافة إلى القوات السنية والمتمثلة  بالحشد الوطني. حتى الآن، لم يظهر ما يؤكد أن الطرفان يخططان للتقدم نحو الموصل معا.