الملاية.. سيدة الحزن العراقي وبائعة البكاء

0

آية منصور – يلا

الملاية.. من لم يرَّ هذه المرأة التي ارتداها السواد وكأنها خلقت من الليل. تزور المنازل لتهيج المواجع على امهاتنا وتذكرهن بمصائبهن المعتقة بصوتها الشجي.

قد يبدو الامر حديثا لمن يدخل مجالسهن، لكن الملاية وجدت قبل الاف السنين وكانت مهنتها متخصصة بالبكاء على اله الاخصاب والذكورة “تموز” في ذكرى وفاته كل عام. يحدث ذلك في الايام العشرة الاولى من تموز، حيث ينتقل نحو العالم السفلي ويعود في اوائل الربيع، كما تقول الأساطير المتوارثة.

وورثت العراقية مهنة الملاية بمرور الزمن. سارت خطوة بخطوة مع الحروب المأساوية التي تطرق باب هذه البلاد. نعي لشهيد، أو فقيد. وربما لشخص “خرج ولم يعد”. لكن الملاية العراقية تتميز عن الاخريات بأن دورها ليس اجتماعيا فقط، حيث الميزة الرئيسية والمهمة لوظيفتها (الملاية البكاء والرثاء على الامام الحسين وباقي شخصيات واقعة كربلاء، فهي ستقرأ “قصة المقتل” وما يتعلق بها من تراكمات توارثتها الالسن حول واقعة الطف. 

هبة آلهية

الملاية ام علي، تمارس هذه المهنة الحزينة منذ عشرات السنين، حتى بات الوجع والنحيب كالطعام في حياتها، ترى ان هذه الموهبة “الهية” ولا تتمتع بها اي امرأة كانت. 

وتقول أم علي، “على الملاية ان تعيش قصة الحزن الحسيني تماما وتكون مدركة له، حتى تخرج مشاعرها من خلال صوتها لتشعر به النسوة بصورة صحيحة وحقيقية، وليس مجرد اداء تتقاضى الاجر عليه”. 

وفيما تسير الملاية بعباءتها وحقيبتها السوداء حيث تحتفظ بدفتر الاشعار الذي عادة ما يكون قديما جدا لكثرة الاستخدام، مع المايكرفون للقاعات الكبيرة ليصل الصوت لجميع من يحضر مجلسها. تدخل لتلاقي النسوة المهيئات للحزن ومعها “رأس مشد” وهو مستهل لهوسة معينة كانت قد حضرته.

ترى ام علي ان “الملاية” موروث شعبي مرتبط باواصر المجتمع العراقي ومتداخله به ولا يستطيع احد الاستغناء عنه في المصائب او حتى مناسبات الفرح مثل الختان او التخرج او الحنة.

 وتواصل أم علي حديثها، “اننا شعب ترعرع مع الحزن، لذا دائما ما نجد النسوة وهن يتراكضن نحو اللطم والنحيب. بعضهن يتذكر احبتهن وينهالن بالضرب على الوجوه والصدور. الكثير من الاشخاص يتذكرونني ويوقفونني في الشارع مرارا وتكرارا ليخبروني انني قد زرت منزلهم يوما وجعلتهم يبكون”.

الحزن المتوارث

اما السيدة زينب والتي تحرص على تقيم شعائر حسينية في منزلها من خلال إحضار الملاية، تؤكد انها توارثت ذلك من والدة زوجها وفي نيتها ان ترثها لبناتها هذه التقاليد
وتقول زينب، “لقد كان الامر بالنسبة لي ميراثا شعبيا، لكنه اصبح قضية محببة، حتى ان جميع الجارات ينتظرن قدوم احدى الملايات كل محرم لانهن يعرفن ان منزلنا شهير بهذا الشيء. بعضهن حضرن لقضاء نذر قديم وما ان تأتي حتى تبدأ بالنعي، فتبدأ اصوات النسوة خجولة بعض الشيء حتى تصرخ احداهن ويبدأ زحام الصراخ فيكون حفل للبكاء جماعي”.

وترى السيدة زينب ان “للملاية” تقديرا اجتماعيا كبيرا. اذ ان لها “هيبة كبيرة واحتراما من الاخرين لانهم يجدون فيها قدرا عاليا من الروحانية والصدق”.

وتزيد زينب بالقول، “الحياة تغيرت لكن الملاية وقصصها لم ولن تتغير. انها تجلس في المنتصف ليتسنى للجميع الاستماع لها ثم تبدأ بالنعاوي. ان مهارتها في اختيار الأشعار الحزينة على الحان الشجن التي تنشدها جعلت النساء يلطمن الصدور”.

وتعتمد الملاية في ادائها على الشعر الحزين باللغة الدارجة، ما أدى إلى استمرار تدفق النساء على مجلسها عكس خطباء المنابر الذين عادة ما يستخدمون اللغة العربية الفصحى.

ويمنع دخول الذكور في هذه المجالس، ذلك ان النسوة يخلعن الحجاب، حيث يقول أحد الأشخاص الذين يشاركون في مجالس العزاء، انه ومنذ طفولته اعتاد الخروج من المنزل عند وصول الملاية، ويضيف “انها الوحيدة القادرة على اخراج كل هذا الحزن من اعينهن بكلمة واحدة، انها السيدة التي تعمل على افراغ الحزن بسرعة هائلة”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!