آية منصور – يلا/ بغداد
سالي والتي تنفي فزعها في بادئ الامر لدخول داعش. ذلك لسبب ان مدينتها اعتادت لعبة “الحية والدرج” مع داعش بعدة معارك تنتهي يوما للجيش ويوما لهم. لم تدرك مطلقا، ان دخولهم هذه المرة كان جديا، ولم تكن على يقين كاف بأن مدينتها الجميلة ستقع في الاسر هكذا وبكل سهولة. بين ليلة ونهارها الجديد.

اذ تقول

-في يوم الخميس المصادف ٥ حزيران. اغلقوا جميع الطرق. حتى عدت الى المنزل سيرا على الاقدام. كما انهم اعلنوا حظرا للتجوال استمر الى اليوم التالي. وهنا الاحداث بدأت بالتصاعد بصورة اسرع مما نتوقع. وبعدة ساعات كانوا قد دخلوا المدينة. وبعدها بيوم لا اكثر، حضر اقاربنا من الساحل الايمن من المدينة نفسها. كنازحين!. وقتها علمنا ان الامر بات حقيقيا.

بدون تحرك او اسناد، كان الوضع مأساويا. ولمدة ثلاثة ايام والاعصاب مشدودة. سالي ومدينتها وعائلتها وجيرانها يبحثون عن مصيرهم الجديد في منازلهم دون الخروج لأي مكان.

-والدي كان مصرا على عدم الخروج لكن وبمساعدة خالتي والحاحها، تمكنا وخلال ثواني بالخروج من المنزل.

تؤكد سالي ان الحياة كانت مشهدا سينمائيا في فيلم هولييودي، الزحام البشري، مئات السيارات المتوجهة نحو المجهول، والارض التي لم تعد ارضهم.

-بعد عناء وسير السيارة الاكثر بطئا من سلحفاة، وصلنا حتى اربيل واقمنا فيها لعدة ايام، لم يحتمل خلالها والدي هذا الامر، بسبب خوفه على المنزل والجيران.

الغريب في الامر ان من اتصل بعائلة سالي ليخبرهم ان الوضع هادئ هو جارهم المسيحي مبينا الاستسلام الواضح وخضوع الجميع لفكرة احتلال المدينة تحت لحاهم.

وتكمل سالي حكايتها

-بعد ان عدنا، بدأنا نعيش حكومة داعش، بداية من القرارات المتعلقة بالصلاة والصوم وفرض انواع محددة من الثياب للرجال والنساء. فيما وانا شبه مجنونة، اشعر بحياتي مثل ساعة رملية تنتهي ببطء مع عديد من الافكار

والهلوسات.

وتؤكد لي سالي استمرار محاولاتها لإقناع والدها بالفرار، واستمرار رفضه -لخشيته استحواذهم على المنزل- مع تفاؤله الشديد بحقيقة تحرير المدينة بغضون اسابيع قليلة وجب عليهم الصبر والتحمل حتى نهاية الخط المظلم.   وهنا لم يكن لسالي سوى التلفاز الذي تراقبه مثل ضائع عن اي خبر يعيد لها تنفس الحياة، والاخبار كانت ضربات فأس على رأسها، واحدة تلو الاخرى.

-ثم بدأت افعالهم بالظهور على حقيقتها، من الاخبار حتى الاحداث التي واجهت زقاقنا، طردوا المسيحيين بقبح، لا استطيع نسيان كيف انهم جردوهم من كل شيء وكيف سحبوا خاتم ام ليث من يدها. لا استطيع نسيان كيف اخذوا اخر ٨ الاف متبقية في جيب ابنها. لقد خرجوا بثيابهم التي على اجسادهم فقط، ولم نستطع فعل شيء، كما وفشلت جميع مخططاتي مع صديقاتي بالهروب، ذلك اني منذ الشهر السادس حتى التاسع لم اخرج حتى باب المنزل ولم اعرف شيئا في الحياة، رغم توجيه الانذار لي من العمل اكثر من مرة، لكن فكرة ان اخرج بخمار كانت ترعبني. لانه كان بمثابة سكين وتقطعني بصورة بطيئة.

فيما ترى سالي مدينتها التي بدأت تموت تدريجيا وتتحول من وجه مكتظ بالحياة الى شوارع شاحبة وخاوية الا من اللحى والثياب الافغانية. قررت الهروب!

-مكثت في المنزل حتى اذار ٢٠١٥، وحتى اقتنع والدي بضرورة رحيلي، اذ لم يعد بقائي مجديا في مدينة تحتضر، لكنه كان خائفا من امساكهم لي، كما ان جميع الطرق كانت قد اغلقت تماما، واصبح امرا بالغ الصعوبة، ان تخرج من هذه المدينة. مع ذلك، ذهبت الى العمل وقبل اسبوع من هروبي، لأبعد عني الشبهات، ذلك اننا جميعنا مراقبين، ويعلمون بجميع معلوماتنا ووثائقنا.

في هذا السجن الكبير، لم يعد هنالك منفذ حتى الاسيجة او الخنادق، ولم يتركوا وسيلة للخروج وممنوع منعا باتا بغير طريقتين اثنين، يلزم من يفعلهما ان يعود الى المدينة. وكانت هاتين الطريقتين او القانونين

في حال وجود سند لارض زراعية خارج الموصل، يحتاج الشخص الذهاب لها، فيعطي جميع سنداته الاخرى حين عودته، او سحب كل شيء منه. القانون الاخر وهو وفي حال وجود هوية تقاعد، وبحاجة لعمل بطاقة الكي كارد، من اجل سحب الاموال من الموصل مباشرة.

-والدتي تملك هوية تقاعد، وعمتي البالغة من العمر ستين عاما، ضحت بهوية تقاعدها من اجلي، وتقمصت شخصية عمتي، وكنت امامهم انا هدى التي تريد الذهاب لبغداد من اجل انشاء بطاقة كي كارد. وهنالك قانون اخر، ان الموافقة على الطلب تأتي في ذات اليوم، وعليه السفر في اليوم نفسه، او يسقط حقهم ويعاد الطلب. فقدمنا الطلب وحينما جاء السائق لأخذنا، شاهد الحقائب العديدة فنظر لنا قائلا:

-عند التفتيش ستثير شكوكهم هذه الحقائب، ان تكون من اجل سفر طويل، فتركنا الحقائب جميعها، وخرجت بعد ان ودعت والدي، بحقيبة صغيرة لا تحوي شيئا، مرتدية الخمار وأنا انظر الى مدينتي، انتابتني نوبة بكاء حادة، لخوفي عدم تمكني من العودة لمنطقتي مرة اخرى. حتى اختي، بعثت السلام لها، وتركتها وحيدة بعد ان هرب زوجها المطلوب لداعش بسبب انتمائه لمفوضية الانتخابات، والدموع لم تنته، ولم تتوقف.

مع مسؤولية سالي الجديدة، ان تبدو وتحت الخمار امرأة تعدت الستين، مع جميع نقاط التفتيش كانت تضع يدها على قلبها، خشية ان تٌفهم لعبتها، او ان ينتبه السائق لذلك الشيء فيبلغ عنها.

-جميع الاختام عند نقاط التفتيش، كانت تحمل اسم “الدولة الاسلامية” بصورة رسمية وجادة. وكل مرة اخشى ان يكتشفوا اني لست هدى السيدة الكبيرة المتوجهة لاصدار بطاقة تقاعدها، ولم استطع النطق بحرف، رغم مرورنا بجميع المناطق التي تؤلم الروح، من تلعفر، وسنجار، حتى حدود الرقة والجزيرة، ثم صحراء الرمادي. وجميع هذه المناطق كانت تحت رايتهم. كنت وكأني في بلاد اخرى منهوبة، جرداء وخالية من كل شيء الا الموت والسكينة.

وتضيف سالي، ان وبعد خروجهم من اخر سيطرة لداعش قال لها السائق

-افرحي الان، واخلعي الخمار.

تكمل سالي،

-لم اكن اعرف وقتها شعوري، الشعور بالحرية يملك هذا الطعم وهذا الاحساس! بمجرد رؤيتي للعلم العراقي شرعت بالبكاء والنشيج، كنت مثل مغتربة وعادت لأرض الوطن بعد سنوات للفراق! رؤية الجنود بثيابهم العسكرية تترك دافعا للنزول من السيارة والارتماء تحت حمايتهم. لم اكن اعلم اني احب البلاد هكذا. رؤيتي للحياة لم تنسني تسع اشهر مهولة عشتها. لكنني كنت اتطلع لحياة جديدة.

وتختم سالي، بحجم خوفها على والدها الذي بقي هنالك، مع امنيتها بخروجه

-بعد سنتين من احتلال مدينتي وتعايشي مع هذه الاوضاع كل هذه المدة، استطعت العمل مرة اخرى، كما اطمح لاكمال دراسة الماجستير. اريد لوالدي الذي لم يكن راضيا عني لحظة خروجي، ان يفخر بي ويعلم اني قمت بالفعل الصحيح. كما واريد لهذه الذكريات ان تختفي من حياتي، لكنني اجزم تماما ومن خلال تحدثي بها. انها ستظل عالقة مثل ندبة في روحي. كما ستبقى في قلب كل موصلّي عاش هذه الاحداث.