هذا الرسمُ فطريٌ.. حتى الكِبر

0

واسط – محمد الزيدي

إلى الجنوب الشرقي من العاصمة بغداد، وفي قضاء الحي، يعيش عبد الكريم الغريباوي، فنان فطري طاعن في السن، لكنه ليس ككل الطاعنين في السن من أقرانه، فخيالهُ خيال خصب، وإحساسه متدفق  بالإبداع، وريشته تنقاد بين أصابعه بكل سهولة ويسر.

عبد الكريم ناصر الغريباوي، رسام فطري في السبعين من عمره ، ولد في عائلة تمتهن الزراعة مصدراً لعيشها، ولم يتلق درساً تشكيلياً في حياته، لكنه وبفضل انتمائه للمدرسة الواقعية التي اعتنقها – من حيث لا يعلم – تمكن من تصوير تفاصيل الحياة اليومية بكل معانيها.

” وظفت إمكانياتي الفنية في رسم تفاصيل الحياة شيئاً فشياً، بعد أن كانت تجمعني الليالي والأيام على شاطئ شط الغراف، حيث تفاصيل الحياة النقية، وهكذا كبرت أحلامي ” يقول الفنان الفطري لــــ”يلا” وهو يعدّلُ من وضع عقاله فوق رأسه.

” حبي الفطري للفن التشكيلي دفعني في ثمانينيات القرن الماضي، أن أحضر جزءاً من محاضرات الفنان التشكيلي الشهير فائق حسن خلسة، وعبر التنسيق مع أحد الطلبة الذي كان يثق بمقدرتي الفنية ” يضيف الفنان الفطري.

ولأن الفن فصيلة تاسعة كما يقولون، يوصف هذا الرجل الكهل بحكم الموهبة والقدرة اللذين يتمتع بهما، بأنهُ منساق لدمه وفنه، ولا تمر يداه على لوحه حتى تتحول إلى تحفة فنية، وأن كانت في متاهات بيته العتيق.

يتابع قائلاً ” أمضيت أكثر من ثلاثين عاماً من عمري وأنا أمسك بتلابيب فرشاتي، وقدمت عشرات التحف الفنية، وتلقيت دعوات دولية للمشاركة، ولكن عسر الحال حال دون ذلك”

ولأن الغريباوي أبى إلا أن يكون مجرد ظاهرة مؤقتة، فإجادته للصبر ومداومته على الرسم، جعل من لوحاته تتكلم نيابة عنه، حتى رأى إبداعها عاشقو الفن التشكيلي وفنانو المدينة الغافية على ضفاف الشط.

وفي هذا الإطار يصف الفنان (عبد الرضا زكي) إحساس الرسام الكهل بأنه ينبع من فضاءات روح متعبة، وفن فطري وبفضل ذلك استطاع أن يتعلم كيفية التعامل مع الانعكاس الضوئي وطريقة مزج الألوان، وسُبل استخدامها بشكل فني من دون أن يعنيه أحد “

ويرى زكي في حديثه لـــــ” يلا ” الألوان تمتزج في لوحات الرسام الحياوي مداعبة خيالاً خصباً لا حدود له، وقد استطاع أن يوظّف موهبته الفطرية في تحقيق شهرة واسعة على الصعيد المحلي”

ويتابع قائلاً ” ما يمكن أن نتوقف عنده هو أن إبداع هذا الفنان الكهل لم يتوقف عند حد معين، بل عمد إلى إجراء مزاوجة فنية بين الألوان والخيال والواقع في لوحات تشد انتباه كبار التشكيليين”

الاهتمام بهذه الإمكانيات الفطرية وفي أي حقل من حقول الإبداع، يجب أن يسود حتى يكون للمبدعين شأناً محلياً ودولياً كبيراً” يقول الفنان الموسيقي (علي النشمي).

النشمي الذي يدعو الحكومة إلى الاهتمام بهذه الشرائح المبدعة، سيما أولئك الذين لم يدخلوا في رحاب الأكاديمية يرى بأنَّ” تقديم الدعم اللازم، هدف يجب أن يكون أولوية من أولويات الحكومات المتعاقبة في العراق”

وفي النهاية لا يخف الفنان الكهل ذو اللحية البيضاء، أن الفن كان ولا يزال من أسعد لحظات حياته، خصوصاً ساعات الصباح التي كرسها لهذه الرسالة وهو يجلس قبالة الطبيعة الخلابة لشطّ الغراف الضارب في التاريخ.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!