استفتاء تركيا… اهم مما تعتقد!

0

ولات خليل

لا يمر يوم دون أن ينسب حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم في تركيا، إخفاقاته السياسية إلى عوامل خارجية أو دولة أجنبية “لا عالبال ولا عالخاطر”. وفي سعيها المستمر للإنعزال عن الساحة الدولية، ستقوم الحكومية التركية، يوم الأحد القادم أخيرا بإجراء إستفتائها الذي سيقرر الشعب التركي بموجبه فيما إذا سيوافقون على الإطاحة بنظام الدولة البرلماني، والذي دام لمدة قرن من الزمان، مقابل نظام رئاسي جديد. على الرغم من أن المؤيد، والمستفيد، الأول من هذا النظام الجديد، الرئيس رجب طيب أردوغان، يدعي بأنه سيكون نظاماً رئاسياً خاصاً بتركيا وأنه سيقوي من الديمقراطية في تركيا، إلا أن طريقة أردوغان في اتخاذ القرارات منذ إنتخابات صيف ٢٠١٥ تشير إلى أن النظام الرئاسي الجديد، الذي سيبقيه في الحكم، سيكون مختلفا عن ما يروج له.

والأدلة على هذا التشاؤوم كثيرة ولا تحصى، فمنذ ذلك الوقت، قامت حكومة أردوغان بإنهاء مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني، والدخول مع حرب أهلية مع احد اكبر مكونات تركيا الإثنية. هذا بالإضافة إلى إعتقال قادة وبرلمانيي حزب الشعب الديمقراطي، وهو حزب يساري يهدف إلى الدفاع عن حقوق الأقليات في تركيا، منها القومية الكردية والذي نجح قبل عامين في أن يصبح ثالث أكبر كيان سياسي في الحكومة التركية.

هذا وقام حزب العدالة والتنمية بإحكام سيطرته على الأجهزة الإعلامية في البلاد من خلال إغلاق أو شراء أي جهة إعلامية معارضة لسياسات الحزب بالإضافة إلى إعتقال أي صحفي أو إعلامي يدلي بآراء المعارضة لممارسات الحكومة. جاء ذلك بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة في شهر تموز من عام ٢٠١٦، إذ تقدر صحيفة الجارديان البريطانية بأن ٣٠٪ من صحفيي العالم المعتقلين في عام ٢٠١٦ هم من الذين اعتقلوا من قبل حكومة أردوغان.

ما يثير القلق حقاً هو أن المؤسسات المسؤولة عن مراقبة ومراجعة سلطات أردوغان في النظام الرئاسي الجديد ضعيفة وشبه معدومة. لذلك فإن فوز حملة “نعم” بإستفتاء السادس عشر من نيسان الحالي سيعني أن تركيا ستعيش تحت نظام حكم يعطي شخصا واحداً سلطة مطلقة على البلاد ستمكنه من فعل ما يريد والسيطرة على كافة مؤسسات الدولة، دون مشرفٍ أو رقيب.

كل ذلك يعتمد على نتيجة إستفتاء يوم الأحد القادم، إذ سيقرر الأتراك على تغيير الدستور الحالي أو الإبقاء عليه. حتى الآن، يواجه الخبراء صعوبة كبيرة في توقع النتيجة بسبب التقارب في إستطلاعات الرأي بين حمليتي “نعم” و”كلا” رغم الجهود التي يبذلها الحزب الحاكم في السيطرة على الإعلام وتجريم الذين يعلنون عن نيتهم على التصويت بـ كلا. هناك عوامل كثيرة ستكون حاسمة في نتائج التصويت القادم، إذ أن تركيا لا تزال تعيش تحت حالة الطوارئ التي أعلنها أردوغان منذ تموز الماضي، وسيطرة حزب أردوغان على وسائل الإعلام العام قد ترجح النتيجة لمصلحته. ولم تكن ممارسات قمع وسائل الإعلام كافية لأردوغان، فقد ساهمت عمليات التدمير والقصف المستمرة على المدن التي تسكنها الأقليات في نزوح وتشرد مئات الآلاف ممن كانوا سيصوتون بكلا في الإستفتاء. في هذا الصدد، يقول يافوك بايدار، أحد أبرز الصحفيين في تركيا، أن “المشكلة الكبرى ستكمن في نسبة المشاركة في الإستفتاء والحفاظ على حماية العملية الإنتخابية.”

كما تشير مؤسسات إستطلاع الرأي الكبرى في تركيا، مثل موسستي ميتروبول وكوندا، إلى أن هناك تقارب كبير جدا بين حملتي “نعم” و”كلا”، بينما ترجح مؤسسة سونار، في إستطلاعها، الكفة لصالح حملة كلا. إحدى العوامل التي تعمل لصالح مصداقية إستطلاع سونار هو واقع الخوف الذي يسيطر على الأطراف المعارضة للحزب الحاكم، إذ يعتقد أن هناك نسبةُ كبيرة من ممن يخشون الإجهار بأرائهم علناً، مما يجعلهم عاملا مهماً جداً في حسم نتيجة الإستفتاء القادم ورسم ملامح المرحلة القادمة في تركيا…والمنطقة أيضاً.

نتيجة الإستفتاء لن تؤثر على تركيا حصراً، بل سيكون لها أثراً على العراق الذي لا يزال في حالة حرب مع تنظيم داعش الإرهابي في الموصل، ووجود نظام حكم جديد ومبهم النوايا في الجوار من شأنه أن يزيد من تعقيد الصورة على حكومتي بغداد وأربيل على حدٍ سواء، لا سيما وأن القيمة السنوية للعلاقات الإقتصادية بين البلدين تبلغ حوالي ١٢ مليار دولار. بالتالي فإن وجود نظام رئاسي غير موثوق قد يؤدي إلى أزمة إقتصادية في المنطقة، علماً أن وضع تركيا الإقتصادي ليس بالجيد في الوقت الراهن فالتوترات السياسية الدولية والمشاكل الأمنية الناجمة عن سياسات أردوغان قد أدت إلى تراجع مجال السياحة الذي يعتمد عليها إقتصاد تركيا بالدرجة الأولى إلى أقل مستوياتها منذ عقود.

إلى جانب ذلك، فإن الشرق الأوسط يمر بفترة إنتقالية بحاجة إلى أنظمة حكم من شأنها أن تضمن السلام والديمقراطية لمستقبل شعوبها. التحول من نظام برلماني إلى “نظام رئاسي تركي” هو تحول من نظام شبه ديمقراطي في تركيا إلى حكم شبه دكتاتوري. إحداث تغيير دستوري بهذا الحجم سيكون بمثابة الكارثة على مختلف القوميات في تركيا، لا سيما الأقليات العلمانية، والغير مسلمة. كما سيخل الإطاحة بنظام أتاتورك الحالي بتوازن القوى في الشرق الأوسط وسيكون له تأثيرات يمكن ان تكون خطيرة على دول الجوار بشكل عام، والعراق بالدرجة الأولى.

سؤال لمن يتابع قضية الإستفتاء التركي، الى اي كفة ترجح نتيجة الإستفتاء وماهي النتيجة الأفضل لحفظ مصالح تركيا والعراق؟

 

ملاحظة: هذه المقالة لا تعبّر عن رأي يلا، وإنما تعبّر عن رأي كاتبها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!