Find anything you need on Yalla

انتحاريون أغبياء

0

بغداد – داود العلي

كان حليقَ الرأس، يرتدي قميصاً من ماركة “Nike“. يجلس خلف مقود سيارة “بيك آب” حديثة، يحاول ركنها قرب رصيف يضج بزبائن مقهى وسط بغداد. بدأ يتعرق حينما اقترب منه صاحب المقهى الذي لاحظ أن يديه مكبلتان بمقود السيارة.

إنه انتحاريٌ يريد تفجير سيارته بين نحو ٤٠ شاباً من زبائن المقهى، لكنه تردد لانتباه الناس إليه، فيما يتصل بعضهم بالرقم الساخن لوزارة الداخلية.

هرب الانتحاري “الأقرع” بسيارته مسرعاً، ربما لتغيير موقع تفجيرها، ومن شدة الارتباك اصطدم بقوة في عمود كهرباء قريب. تعطلت سيارته قبل أن يعتقله الناس، ويسلموه إلى دورية شرطة قريبة. في يومها كانت هذه الحادثة أكبر “نكتة إرهابية” تداولها سكان المنطقة.

لم يكن هذا مشهداً من برنامج كوميدي عن الانتحاريين في العراق، بل حقيقة يرويها ضابط تحقيق رفيع عمن أسماهم “الانتحاريون الأغبياء”. الضابط الذي طلب عدم الكشف عن هويته، عمل في التحقيقات مع عناصر التنظيمات الإرهابية لخمس سنوات، وبين يديه مئات المعلومات من بينها “إرهابيون” أثاروا دهشته من شدة ظرافتهم.

الانتحاري الذي اصطدم بعمود الكهرباء، أخبر المحقق أنه شعر بالخوف من عدد الناس الذين استعلموا الهاتف لإخبار الشرطة بمكانه، لذلك فر هارباً، لكن المحقق صدمه حين قال، “لم يردنا أي اتصال بشأنك”.

لا يوجد إحصاء دقيق عن عدد الانتحاريين الذين فجروا أنفسهم في العراق، لكن ثمة مراكز مختلفة قدمت تقديرات عنهم. يقول مركز يدعى “الرصد والمتابعة”، إنه حتى العام ٢٠١٦ بلغ عددهم 2482 انتحارياً من بينهم 2150 عربياً.

في المقابل، فإن عديد الضحايا المدنيين يكاد “يُرقّمُ” غالبية خارطة البلاد، ففي إحصاء أعدته بعثة الأمم المتحدة “يونامي”، بلغ عدد الشهداء الذي سقطوا نتيجة أعمال إرهابية نحو ١٧٧،٩١٨ بين ٢٠٠٣ و٢٠١٦.

لكن من الصعب إحصاء الانتحاريين الذين فشلوا في تفجير أنفسهم بسبب “غباءهم” أو قلة حيلتهم، كما يقول ضابط التحقيق العراقي، الذي روى لـ”يلا” جانباً من تحقيقات أجراها تكشف جانباً “ظريفاً” من حقبة سوداء مر بها العراق.

عام ٢٠١٥، دخل الضابط غرفة التحقيق وكان في انتظاره شاب في الـ ١٧ من عمره، ألقي القبض عليه في حمام عمومي وسط بغداد، وكان ينتظر زميله في التنظيم لتجهيزه بالحزام الناسف.

يسأل الضابط، “كيف صرت انتحارياً؟” يأتي الجواب صادماً، بل “غبياً” كما يصف، “حين انتميت إلى تنظيم داعش وضعني في مطبخ المعسكر لأعد الطعام، لم أتقن عملي فنقلني إلى صيانة السيارات ولم أنفع أيضاً”.

يبدو أن فشله في مهمات الطبخ وصيانة السيارات قاد التنظيم إلى تكليفه بمهمة أخرى أكثر أهمية. يسرد الضابط الحوار الذي دار خلال التحقيق، “قال لي الانتحاري الشاب إن مسؤولاً في التنظيم أمره بأن يزرع العبوات، لكنه رفض خوفاً من أن تسبب له المهمة الجديدة بقطع اليدين أو القدمين”.

يقول الانتحاري، “قلت لهم لا.. لن أعمل في زرع العبوات أفضل أن أكون انتحارياً”.

أوقف الضابط التحقيق مع هذا الانتحاري الظريف ثلاثة أيام من شدة الضحك، قبل أن يعود إليه لاحقاً ليقول له، “هل لديك نكتة أخرى؟”.

في تحقيق آخر، كان هناك انتحاري أشد غرابة وظرافة، يبلغ من العمر ٢١ عاماً، ألقي القبض عليه حين فشل في سحب شريط الحزام الناسف المعد للتفجير في سوق شعبي.

بحسب التحقيقات، فإن والده كان يمنعه من التدخين ولا يسمح له بالخروج من المنزل. كان الشاب في صراع عائلي دائم، لم يكن متديناً ولا يعرف شيئاً عن التنظيمات المتطرفة.

حين دخل تنظيم “داعش” قريته بدأت عمليات تجنيد الشباب وتدريبهم على السلاح وزراعة العبوات الناسفة، فالتحق بهم الشاب نكاية بوالده، ومنذ اليوم الأول استفسر عن امتيازات داعش، “هل تسمحون لي بالتدخين؟ هل أستطيع التجوال في الشوارع”. منحوه صلاحية التدخين والتجوال بسلاح وسيارة رباعية الدفع.

يقول الضابط، “ذات يوم، سأل الانتحاري الشاب مسؤوله في التنظيم، ما الذي تفعلونه لرجل يمنع ابنه من الالتحاق بالتنظيم، قالوا نجلده في ساحة وسط المدينة، قال لهم: والدي يمنعني من الصراط المستقيم”. قال الضابط، “أنت أغبى إرهابي حققت معه، لو كان الأمر متوقفاً على علبة دخان لخصصت لك معمل سكائر لك”.

عام ٢٠١٤، حين اجتاح تنظيم “داعش” ثلث مساحة العراق كان الرعب هو القصة الوحيدة التي يتداولها الناس عن حياتهم ومستقبلهم، لكن تحقيقات أجريت خلال السنوات القليلة الماضية كشفت المئات من الذين آمنوا فعلاً بفكر التنظيم، لكن جانباً كوميدياً آخر أظهر كم كانت ساذجة حكاية تمدد التنظيم، كهؤلاء الانتحاريين الأغبياء.

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!