العراق يلاحق الأموال الهاربة.. “والدراما” تحيط التحقيقات

0

بغداد – داود العلي

يبدو أن العراقيين لم يستوعبوا بعد أن السلطات تعتزم التحقيق مع مهربي الأموال والمتورطين بقضايا فساد منذ عام ٢٠٠٣ وحتى اليوم. بعضهم لا يصدق أن هذا سيحدث فعلاً، فيما وصل آخرون إلى تحويل المعلومات عن التحقيقات إلى احتمالات ساخرة: “هل ستودع الحيتان الكبيرة في أحد فنادق بغداد، كما هو حال ريتز كالرليتون في السعودية”.

الحقيقة، أن الأمر ليس بهذه الطريقة السينمائية. ثمة الكثير من المبالغة وأن كانت تستند إلى إجراءات قيد التنفيذ.

 

قصة الفريق الدولي

“لقد تعاقدت الحكومة العراقية في فريق خبراء دولي يضم نحو ٢١ شخصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا سيساعدون المحققين العراقيين و٧ لجان من البرلمان والقضاء لفتح ملفات فساد يشتبه بتورط مسؤولين كبار فيها”. يقول مصدر مقرب من مكتب رئيس الوزراء، حيدر العبادي، لـ”يلا”.

المصادر تقول، أيضاً، أن الفريق الدولي الذي يعمل في بغداد بناءً على اتفاق مع الأمم المتحدة، باشر في أعماله منذ الأول من شهر كانون الأول (ديسمبر)، لكن أنشطة التحقيق هذه ليست الأولى في هذا المجال، بل أن الفريق الدولي هو ثاني الفرق التي تعمل في العراق على تدقيق ملفات الفساد.

“مطلع عام ٢٠١٧ دشن فريق دولي عمله في العراق بمساعدة محققين ولجان برلمانية عراقية للبحث في ملفات الفساد، وانتهت اللجان إلى قرارات منها استدعاء أو اعتقال أكثر من ٢٧٠ مسؤولاً بينهم وزراء سابقون، لكن أسباباً سياسية جمدت تنفيذ هذه القرارات”، يقول النائب طلال الزوبعي، رئيس لجنة النزاهة البرلمانية، في تصريح صحافي.

وتعلق مصادر حكومية على نشاط الفريق الأول بأن ما سيجري خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) هو استكمال للتحقيقات السابقة، وتشدد تلك المصادر على أن الفريق الدولي الثاني لن يقوم بالتحقيقات، لكنه سيمنح المحققين العراقيين الخبرة اللازمة في التعامل مع قضايا تهريب الأموال.

 

شبكة حسابات مصرفية

“بدأنا بمتابعة الحسابات المصرفية، واكتشفنا أموالاً هائلة بحوزة مسؤولين عملوا في الدولة العراقية بينهم وزراء”. يقول عضو ناشط في التحقيقات الجارية حاليا في تصريح لـ “يلا”.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها “يلا”، فإن أحد المتهمين سافر مؤخراً خارج العراق “على وجه السرعة”، وتنقل بين ٣ بلدان قام خلالها بتغيير أسماء لديها حسابات مصرفية وناقل بين أموال عليها شبهات أودعت في وقت قريب في تلك الحسابات.

ومن المؤمل، أن يتمكن العراق من الاتفاق مع دول أجنبية وعربية على تسليم المطلوبين من أجل التحقيق معهم. تقول المصادر، “الهدف هو إعادة تلك الأموال إلى خزينة الدولة”.

 

الطريق سالك إلى السجن

ما يقوله المدونون، ومقدمي البرامج التلفزيونية عن طريقة اعتقال “الفاسدين” فيها الكثير من الدراما الأكشن، بل أن بعضها سرب عمداً إلى الإعلام والسوشال ميديا لزيادة الضغط سياسياً ومالياً على شخصيات وقوى عراقية.

“كل شيء سيخضع لإجراءات قانونية، وبتسلسل لا يمكن تجاوزه (…) سيتم استدعاء المتهمين للتحقيق، وفي حال لم يحضر بعد الاستدعاء الثالث سيتم إصدار مذكرة قبض قضائية ليتم التحقيق”. يقول مصدر مطلع في الحكومة العراقية، ويضيف، “التحقيقات هي التي تقرر تحويل المتهم إلى القضاء ليتم حبسه بعد المحاكمة”.

ولم تخل مشاهد “ملاحقة الفاسدين” من بعض الارتباك، ففي صدر الصفحة الأولى لجريدة “الصباح” الممولة من الدولة، نقلت تصريحاً لرئيس هيئة النزاهة حسن الياسري، قال فيه “تمكنا من رفع الخطوط الحمراء (…) ونجحنا في إحالة نواب رئيس الجمهورية إلى القضاء للتحقيق في الكشب غير المشروع”.

الياسري نفسه عاد لينفي تصريحاته بعد ساعات من صدور الصحيفة، بل اتهمها بالنقل غير الدقيق، فيما لم يتأخر مجلس القصاء لنفي “تلقيه دعاوى بحق نوري المالكي وإياد علاوي وأسامة النجيفي” وثلاثتهم نواب رئيس الجمهورية.

لهذا السبب تعود المصادر إلى التأكيد، بحسب تصريحات خاصة لـ”يلا”، إلى أن “التحقيقات في ملفات الفساد غير صالحة للتصريحات المجانية (…) الأمر خاضع لإجراءات قانونية منظمة”.

 

أزمة ثقة.. واحتمالات درامية

في العادة، لا يثق العراقيون بمثل هذه الإجراءات لاسيما في السنوات العشر الماضية، لأسباب من بينها إفلات الفاسدين من العقاب، وغياب تحقيقات جدية معهم، فضلاً عن استخدام ملف مكافحة الفساد لأغراض سياسية.

وهرب مسؤولون، وزراء ومحافظون ونواب سابقون، خارج البلاد منذ عام ٢٠٠٥ وفي ذمتهم قضايا سوء إدارة وتهريب أموال أو إهدارها وفق عقود وهمية.

وتقول منظمات وجهات مدنية ورقابية أن أكثر من ١٠ سنوات على استشراء الفساد في العراق، من دون رادع، جعل ممارسات مثل الرشى والعمولات خارج القانون جزءاً من الثقافة اليومية.

وتواجه مكافحة الفساد مصاعب جدية تعود إلى تورط كتلاً سياسية في صفقات مشبوهة جزء منها عقود مؤسسات حكومية، فصار من الصعب فضح تلك القضايا، لكن التحقيقات الحالية تبدو في طريقها إلى أن تكون جادة خاصة وأن قيادياً في حزب الدعوة، مقرب من رئيس الوزراء حيدر العبادي، بأن العراق ينتظر مؤتمراً للدول المانحة في الكويت العام المقبل، وأن الحكومة بحاجة إلى تطمينهم بأن الأموال التي سيحصل عليها لن تذهب بيد فاسدين.

وينتظر العراق أموال الدول المانحة لإعادة إعمار المناطق المحررة من تنظيم “داعش”، في مؤتمر يعقد بالكويت في الربع الأول من عام ٢٠١٨.

“الأمر ليس مزحة، إنه جدي إلى حد كبير، لكن الأمر ليس سينمائياً”. يقول محقق عراقي يعمل في متابعة ملف الأموال المهربة منذ أسبوعين، في غرفة داخل مقر الحكومة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!