Find anything you need on Yalla

رحلة فرار من داعش عبر جبال الموت

0

محمد عبدالله – يلا / كركوك

“بدأت أفقد الأمل بمواصلة السير، الساعة الثالثة ظهراً ودرجة الحرارة تقارب الخمسين، لا أرى حولي سوى جبالاً وصخوراً ملتهبة، العرق يتدفق من قمة رأسي حتى أصابع أقدامي، النساء والأطفال لم يعد بمقدورهم الإستمرار، الماء الذي رششته على القماش الذي ألف به إبنتي بالكاد يبعد الحرارة عنها لدقائق، بدأت الأفاعي تخرج عندما إقتربنا من جحورها” هذا ما قاله (جمعة ٣٢ عام) وهو ينفث دخان الأركيلة ويسند ظهره الى الأريكة خلفه.

  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest

أول مداهمة قامت بها داعش يوم ١٣ تموز على القرية التي يسكنها جمعة، بعد ٣ أيام من سيطرتها على الموصل، كان بيت جمعة الهدف الأول بسبب إنتماء أحد أفراد عائلته للصحوة التي كانت تحارب الإرهابيين جنباً الى جنب مع الجيش العراقي.

“جلس الأطفال والنساء بعد أن أنهكهم التعب وفقدوا الأمل بالنجاة، بدأت بالتفكير بأن أتصل بأحد يخبر داعش بهروبنا من القرية، كنت أُفكر أنهم الوحيدين القادرين للوصول لنا وكنت أعرف وصولهم لنا يعني موتي ولكن فكرت أن الاطفال والنساء سينجون، ولكن لم يكن هناك أي إتصال كنا في منطقة لا توجد فيها شبكة إتصالات، حينها أدركت أن خيار الهرب كان خطأ، وكان من المفروض عدم المجازفة فأرواح الأطفال والنساء ليست لعبة” بهذه الكلمات عاود جمعة رواية قصته.

شعر جمعة بالتضييق من قبل داعش عليه بعد فرضهم شروط وقوانين متشددة كإطلاق اللحية وعدم التدخين، وأبرز ما كان يهدده شخصياً هو شرط دخول المعلمين والمدرسين في دورة لأُصول الشريعة على طريقة داعش في الموصل. كان جمعة يعمل في الصحافة حتى العام ٢٠١١ ولكنه أصبح معلماً لمادة اللغة الإنجليزية في قريته بعد حصوله على فرصة تعيين، بعد أيام أخبره أحد الموالين لداعش “انت كنت تعمل مترجماً مع الجيش الامريكي” عندها شعر جمعة بالخطر المحدق به رغم إنه لم يعمل مترجماً مع الجيش الامريكي إنما كان يعمل مع شركة أمنية بريطانية خاصة بحماية الشخصيات المهمة بعد العام ٢٠٠٣ قبل إنتقاله للعمل في الصحافة، وقرر أن يتفق مع ناقل للهرب.

  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest

“بدأ الماء ينفد منا برغم أننا لم نحمل في الحقائب سوى الماء، بعد السير لمدة سبعة ساعات متواصلة وقبل المغيب قررت إطفاء إحدى أجهزة المحمول والمحاولة بهاتف واحد في محاولة للحصول على النجدة حتى وإن كانت من داعش، كلما رأينا تلاً إعتقدنا أنه الأخير وبعد تجاوزه وجدنا واحداً آخر. الأمل الوحيد الذي كان يساعدنا بالمضي، إننا كنا نشاهد آثار الهاربين على الطريق قناني الماء الفارغة وبعض الملابس. بعد مغيب الشمس نزلت درجات الحرارة واخيراً إستطعت تأمين اول إتصال, الو….” إلتقط جمعة قدح الشاي وأخذ رشفة قبل أن يعاود تدخين الاركيلة.

  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest

 

لم تكن هذه المحاولة الاولى لجمعة للهرب، فقبل شهر رمضان بيوم واحد تلقى جمعة إتصالاً يخبره بأن سيارة تنتظره في الخارج لتنقله مع عائلته وآخرين الى الدليل للهرب، وبعد وصولهم الى الدليل إكتشف جمعة أن هناك خلاف بين السائقين، بعد الحديث معهم إكتشف أن الطريق خطر بسبب وجود قطاع طرق ولصوص في الجبل، فقرر جمعة عدم المخاطرة والعودة الى القرية. في صباح اليوم التالي كلما التقى جمعة بشخص، صار يسأله الشخص عن سبب عودته بعد هربه وتفاجئ جمعة كيف عرف الناس برغم سرية محاولة الهرب، وعندها أيقن أن بقائه على قيد الحياة مسألة مرهونة بالوقت، وإن موته أصبح قريباً.

“إستطعت الإتصال بأحد الأصدقاء في كركوك أخبرني أن لديه معارف في ناحية (العلم) فقط أخبرني أين انت؟ وبعدها أصبحوا يتصلون بي العديد من الأشخاص. المشكلة كانت إني كنت وسط الجبال ولا توجد نقطة دالة يمكنهم الوصول الي، وبعد الحديث مع العديد منهم أخبرتهم إني قبل ثلاث ساعات مررت بعمود مقطوع، أحد الذين تحدثت معهم عرف المكان، لكن الوصول الي كان مستحيلاً وفيه مخاطرة وبعد معرفتهم أن بصحبتي إمرأتان وثلاثة اطفال وشابين، قرر أحدهم المجازفة وأخبرني إنه قادم من أجل النساء والأطفال. وبعد إتصالات واتفقنا ان تكون الاشارة بيننا مصابيح السيارة، ولم يكن بمقدوره وضع مصابيح السيارات لتعمل بإستمرار خوفأً أن يكشف داعش مكانه، وكان يتصل بي ثم نتبادل الإشارة الى أن أرى الاشارة، لكني فقدت الإتصال بالمنقذ بعد ساعة” أسند ظهره الى أريكة وقال: “إستمر ألم ظهري لأيام عديدة بعد وصولي الى كركوك بسبب حملي الحقائب وطفلتي ليوم كامل”.

  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest

بعد ستة أيام إتصل السائق بجمعة وأخبره أن يخرج الآن، هذه المرة لم يكن يملك الوقت ليودع أهله، أخذ زوجته وابنته ذات الستة أشهر، ووجد في السيارة سيدة مع أبنائها الصغار وأبناء زوجها الشباب. إنضم جمعة الى الركاب الخمسة وانطلقت السيارة، كانت العادة أن يأخذ الناقل (السائق) مائتا الف دينار عراقي من الشخص الواحد، ويأخذ الدليل ثلاث مائة دولار من الشخص الواحد بالغاً كان أم طفلاً، إلا أن هذه الرحلة لم يكن ليدفع لها، فالسائق أحد أقرباء السيدة ولا يوجد دليل أو مرشد في الطريق، بعد أن أنزلهم قرب الجبل وانطلق السائق مبتعداً، وبدأت المسيرة.

  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest

“ قلت تجمعوا ورددوا الشهادة على الأقل بعد أن يجدوا جثثنا يعرفون من نحن، كلما حاولت الإتصال بالمنقذ كانت الإجابة الرقم مغلق، قلت ربما قتل هو الآخر وهو في طريقه الينا. جلسنا بقرب بعض وكدنا نموت عطشاً والأمل الأخير بالنجاة قد تلاشى، وفجأة تلقيت اتصالاً وكان المنقذ على الطرف الآخر وقال سوف أُضيئ المصباح حاول أن تجدني، بحثت عنه وبعد محاولات عديدة وجدت الضوء على بعد قرابة ثلاثة كيلومترات. مشينا ونحن غير مصدقين إننا سننجوا، عندما وصلنا إليه طلبنا الماء وشربنا الكثير وانطلق بنا الى ناحية العلم” أخذ جمعة نفساً عميقاً، وصمت وهو يحدق بعيداً عبر النافذة ثم قال وهو يتحدث بهدوء “اذا عاد بي الوقت لن أُجازف لأني لم أتوقع خطورة ما أفعله”.

  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest

لم يخرج جمعة من قريته لأنه كان يملك الأمل بالجيش العراقي الذي سوف يعيد سيطرته على القرية، ولكن فقد الأمل بعد ان أصبح نفوذ داعش يمتد بعيداً، وإزدياد عنف داعش الذي أصبح يكيد المكائد ويلفق التهم للأشخاص الذين ينتقدونهم او الذين يرفضون سياستهم. ويرى جمعة إنه كان يعيش في سجن كبير اذا بقيت فيه تهلك وإن هربت منه انت هالك.

“كنت أنظر عبر النافذة الى التلال والجبال التي سرنا فيها قرابة ١٢ ساعة ولم نصل، وتذكرت عندما كنت أُسافر الى تكريت كان الطريق لا يستغرق منا أكثر من ٢٠ دقيقة بين هذه التلال التي تشبه أمواج البحر التي إبتلعت الكثير من الفارين. عندما وصلنا إستقبلونا وأخبرونا إننا من المحظوظين، وأروني صوراً لجثث وجدوها في الجبال لأشخاص حاولوا الهرب ولم يحالفهم الحظ، الحمد لله الذي أنجاني.

  • Facebook
  • Twitter
  • GooglePlus
  • Pinterest

بعد وصول جمعة وعائلته الى كركوك سكن مع اثنين من إخوته، بسبب الإيجارات المرتفعة أصبحت العوائل تسكن مع بعضها البعض، وعاد جمعة الى السلك التدريسي في مدرسة قريبة، ويرى أنه مرتاح جداً مع طلابه وزملائه في المدرسة. يحلم جمعة بأن يعود الى دياره وأن يجد كل ما تركه خلفه، قريته أقربائه، مدرسته، والأهم أن لا يرى وجوه داعش مرة أُخرى في قريته.

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!