الحياة في الهواتف الذكية: السم في العسل

0

ولات خليل

أصبح الدور المهم الذي تلعبه التكنلوجيا في حياتنا أمراً مسلماً به، فنحن اليوم شبه عاجزين عن الإشارة إلى جانبٍ واحدٍ من الحياة، لا يعتمد على ما يقدمه التقدم التكنلوجي.
تساعد التكنلوجيا اليوم، الإنسان على القيام بأدق وأصعب العمليات الجراحية، وإرسال الآليين إلى الفضاء الخارجي لاكتشاف خفايا الكون الواسع.
لو استخدمت بالصورة الصحيحة، فإن للتكنلوجيا القدرة على حل الغالبية العظمى من مشاكل الإنسان، لكن يبدو أننا غير قادرين على الالتزام بهذا الشرط طوال الوقت، حيث أن للتقدم التقني جوانب سلبية على حياة الإنسان اليومية، بعض منها قد تعرض حياته للخطر حتى، فسوء استخدام التكنلوجيا في حالاته الشديدة يؤثر سلباً على عقولنا وعواطفنا، وحتى تصرفاتنا الاجتماعية.
العودة إلى عقدين من الزمان كفيل بتذكيرنا أن بضعة قليلة من الناس كانوا يملكون هاتفاً نقالاً.
حتى الأطفال باتوا يتقنون استخدام الهواتف الذكية، ولا يمكن لأي منا أن ينكر أهمية الحسابات والهواتف الذكية في تسهيل الاتصالات وإبقائنا على إطلاعٍ بما يحدث في العالم، لكن علينا ألا نتجاهل التأثير السلبي لهذه الأجهزة على صحتنا.
هناك الكثير من الدراسات الجارية التي تهدف إلى تقييم الأثار والأضرار، الطويلة والقصيرة الأمد، الناجمة عن هذه الأجهزة ومجالها الكهرومغناطيسي والذي تصنفه الوكالة العالمية لبحوث أمراض السرطان، كأحد العوامل المسببة للسرطان عند الإنسان.
لا يتوقف التأثير السلبي للأجهزة الإلكترونية عند صحة الإنسان فحسب، فهي تحمل عواقب خطيرة على عواطفنا وحياتنا الاجتماعية أيضا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. فالتكنلوجيا منحتنا منصات، مثل الفيسبوك، تمكنك من التواصل مع أي شخص في العالم دون الحاجة إلى النهوض من فراشك حتى.
كلما زاد تفاعلنا ونشاطنا في شبكات التواصل الاجتماعي، قل استعدادنا للتواصل الفعلي والجسدي مع الناس من حولنا، وهذا بحد ذاته أمر مقلق يتطلب انتباها من المجتمع.
إحدى الأعراض التي تنتج عن قلة التواصل الفعلي مع الأخرين هو الاكتئاب الذي تتعدد أسبابه، فمنها تدني مستوى المهارات الاجتماعية لدى الفرد، أو عادات النوم غير الصحية. لكن إحدى أهم الأسباب هي تأثر الفرد برؤية أشخاص يوهمون الأخرين، على هذه المواقع، بأنهم يعيشون حياةً مثالية.
إنها حالة أطلقت عليها أكاديمية طب الأطفال في الولايات المتحدة اسم “اكتئاب الفيسبوك” في دراسة تشدد فيها على أهمية المفهوم.
في عام 2013، أجرت جامعة لندن دراسة أخرى حول الموضوع، إذ وجدت أن احدى أسباب الموت المبكر عند الإنسان هو العزل الاجتماعي.
يقول عالم الأوبئة وأحد الباحثون في الدراسة، أندرو ستيبتو، “أنهم يموتون بسبب الأمراض المعهودة لدى الإنسان، لكن للعزل الاجتماعي تأثير كبير أيضا.”
ويشير الناشط والكاتب الإيطالي، فرانكو بيراردي إلى أن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية من شأنه أن يغير من تركيبة أفكارنا وعواطفنا.
في هذا السياق، قام بيراردي بإجراء دراسة اعتمدت على مراقبة الاستخدام المفرط للهواتف الذكية في كوريا الجنوبية واكتشف أن هذه الدولة تحتل المركز الأول عالميا من حيث جودة خدمات الاتصال بالإنترنيت من جهة، ونسبة الانتحار بين شبابها من جهة أخرى.
بعد النظر في دراسات سابقة تؤكد أن الانتحار لم يكن في السابق أمراً شائعاً بين الشباب في كوريا الجنوبية، واستنادا على نتائج دراسات عدة قام بها في بريطانيا واليابان، تمكن بيراردي من التوصل إلى استنتاج يشير إلى وجود رابط قوي بين الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية وازدياد حالات الانتحار بين الشباب. يحمل هذا الاكتشاف أهمية كبيرة من ناحية تسليط الضوء على العلاقة بين استخدام التكنلوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي من طرف، والاكتئاب الناجم عن العزل الاجتماعي من طرفٍ أخر.
وبما أننا نعيش في عالم يسودهُ التقدم التكنلوجي، علينا أن نركز جهودنا نحو الحفاظ على صحتنا الجسدية والعقلية على حد سواء. علينا أن نزيد من الوعي فيما يتعلق بكيفية استخدام هذه الأجهزة الإلكترونية، إذ تقع على أكتافنا مسؤولية إرشاد الجيل القادم إلى أمثل الطرق في استخدام الهواتف الذكية للحلول دون تعرضهم لمخاطر الإدمان على العالم الافتراضي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!