مفارقة مورافيك: سيبقى الإنسان سيداً على الألة

0

ادم جاسم
في مقالة سابقة، سلط أحد زملائنا في يلا الضوء على مفهوم الذكاء الإصطناعي وإقتراب خيال علماء البشر من تحقيق ما كان يعتبر سابقا بالإعجاز، وتقليد العقل البشري من خلال الذكاء الإصطناعي الخارق. الأن وقد أصبحنا على بعد عقود، وربما حتى سنوات بسيطة من حقبة جديدة في تأريخ البشرية على هذا الكوكب، إنقسم العلماء و الخبراء في المجال إلى حزبين، أحدهما متحمس والأخر متشائم أو متخوف من فكرة تطوير “آلات” أذكى من البشر.
يقول عالم الفيزياء المشهور وأحد المتشائمين، ستيفين هوكينج، أن “بطئ التطور البايولوجي للإنسان سيكون سببا في تفوق الذكاء الإصطناعي عليه.” لكن هل لهذه المخاوف أي أساس من وجهة نظر التطور؟ وهل فعلا بإمكان أي ألة أو حاسبة أن تفوق قدرة الإنسان العقلية؟ الإجابة هي نعم وكلا في أن واحد، ليكون لدينا تناقضا يعرف عند المختصين في علم الروبوتات والذكاء الإصطناعي، بمفارقة مورافيك.
ما هي مفارقة مورافيك؟
مفارقة مورافيك هي إستنتاج توصل إليه مجموعة من الباحثين في علوم الروبوتات والذكاء الإصطناعي، على رأسهم الباحث النمساوي هانز مورافيك، في عام ١٩٨٠، إذ إكتشفوا أن برمجة الألة على القيام بعمليات منطقية صعبة لا يتطلب قدرات حسابية معقدة بقدر برمجتها على تقليد الحواس الأساسية للإنسان، بعكس الإعتقاد السائد.
يقول مورافيك:
“من السهل أن نبرمج الكومبيوتر على القيام بعمليات حسابية معقدة قد يعجز عنها الإنسان البالغ، كإختبارات الذكاء ولعبة الشطرنج. لكن من الصعب جداً، أو حتى من إستحالة، علينا أن نمنح الحاسوب القدرة على تقليد حواس الإدراك والحركة المتواجدة عند طفل بشري لا يتجاوز عمره سنة واحدة”
ويستند مورافيك في تفسيره على نظرية التطور، إذ أن مهارات الإنسان الذهنية والجسدية تعتمد في تطورها وتوظيفها على آلية باليولوجية تعرف بالإنتخاب الطبيعي، حيث يعمل الإنتخاب الطبيعي على الحفاظ والتحسين من هذه المهارات بإستمرار وطوال فترة التطور. من هذا المنطلق، يتوضح لنا كيف أن مهاراتنا في الإدراك والحركة باتت أمراً مستسهلا عند الإنسان. ليس لأنها بسيطة، بالعكس تماما فهي معقدة للغاية. لكن حواسنا وقدراتنا على التحرك مرت بمليارات الأعوام التي عمل الإنتخاب الطبيعي فيها على تطويرها وتحسينها. بالعكس تماما، فإن مهارات التفكير المنطقي وعمليات الحساب حديثة المنشأة ولا يتجاوز عمرها ١٠٠ ألف سنة، لذلك فمن الطبيعي جداً أن تبدو معقدة في هذه المرحلة. لكن مفارقة مورافيك تثبت أنها في الحقيقة أبسط بكثير من مهاراتنا في الإدراك أو التحرك، وحتى قدرتنا على التواصل الإجتماعي.
للتوضيح أكثر، إن قدرتنا على التعرف على الأشكال، إلتقاط الكرة، والتحرك هي بعض الأمثلة على مهارات تطورت عند الإنسان منذ ملايين السنين. أما الرياضيات وألهندسة والتفسير العلمي، فكلها مفاهيم تعرفنا عليها حديثا ونحتاج إلى المزيد من الوقت لكي يتطور العقل البشري حولها وتصبح هي كذلك سهلة مثل التعرف على الأصوات … بل أسهل بكثير.
وبعد أكثر من ثلاث عقود من العمل، أدرك الباحثون في مجال الذكاء الإصطناعي أنهم أخطأوا في إعتقادهم السابق بأن القدرة على بناء برنامج قادر على حل أصعب المعادلات الرياضية في ثوانٍ هو الخطوة الأصعب. بالعكس تماما، الأن إكتشفوا بإن المشاكل الصعبة هي في الحقيقة سهلة، وما كان يعتبر سهلا، مثل تقليد قدرة الإنسان على الرؤية والحركة، هو في الحقيقة أصعب بكثير ويكاد أن يكون مستحيلا في الوقت الراهن.
بالتالي، فإن مخاوف ستفين هوكينز وغيرهم ممكن يخشون أن يحل الذكاء الإصطناعي محل الإنسان لا تتوافق مع ما نعرفه عن التطور البايولوجي للإنسان. فحتى لو تفوقت الألة في لعبة الشطرنج والرياضيات، سيبقى الإنسان سيداً عليها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

Loading Facebook Comments ...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Pin It on Pinterest

شارك هذا

شارك هذا

شارك هذا مع أصدقائك!